ابن أبي العز الحنفي

64

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا } ( 1 ) . فَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ عَلَى دَلِيلِ انْتِفَاءِ الْعَجْزِ ، وَهُوَ كَمَالُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، فَإِنَّ الْعَجْزَ إِنَّمَا يَنْشَأ إِمَّا مِنَ الضَّعْفِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا يُرِيدُهُ الْفَاعِلُ ، وَإِمَّا مِنْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَقَدْ عُلِمَ بِبَدَايهِ ( 2 ) الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ كَمَالُ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ ، فَانْتَفَى الْعَجْزُ ، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُدْرَةِ مِنَ التَّضَادِّ ، وَلِأَنَّ الْعَاجِزَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . قَوْلُهُ : ( وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ ) . ش : هَذِهِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي دَعَتْ إِلَيْهَا الرُّسُلُ كُلُّهُمْ ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَإِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِاعْتِبَارِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الْمُقْتَضِي لِلْحَصْرِ ، فَإِنَّ الْإِثْبَاتَ الْمُجَرَّدَ قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الِاحْتِمَالُ . وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمَّا قَالَ تَعَالَى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } ( 3 ) ، قَالَ بَعْدَهُ : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } ( 4 ) . فَإِنَّهُ قَدْ يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ خَاطِرٌ شَيْطَانِيٌّ : هَبْ أَنَّ إِلَهَنَا وَاحِدٌ ، فَلِغَيْرِنَا إِلَهٌ غَيْرُهُ ، فَقَالَ تَعَالَى : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } ( 5 ) . وَقَدِ اعْتَرَضَ صَاحِبُ الْمُنْتَخَبِ عَلَى النَّحْوِيِّينَ فِي تَقْدِيرِ الْخَبَرِ فِي { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } - فَقَالُوا : تَقْدِيرُهُ : لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَالَ : يَكُونُ ذَلِكَ نَفْيًا لِوُجُودِ الْإِلَهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَفْيَ الْمَاهِيَّةِ أَقْوَى فِي التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ مِنْ نَفْيِ الْوُجُودِ ، فَكَانَ إِجْرَاءُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ هَذَا الْإِضْمَارِ أَوْلَى .

--> ( 1 ) سورة فَاطِرٍ آية : 44 . ( 2 ) « بداية » : جمع بديهة ، وأصلها بالهمزة « بدائه » ثم سهلت الهمزة فجعلت ياء . ( 3 ) سورة الْبَقَرَةِ آية : 163 . ( 4 ) سورة الْبَقَرَةِ آية : 163 . ( 5 ) سورة الْبَقَرَةِ آية : 163 .